الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

68

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

وفيه : فكّر يا مفضل ، في خلقة عجيبة حصلت في البهائم ، فإنّهم يوارون أنفسهم إذا ماتوا كما يواري الناس موتاهم ، وإلّا فأين جيف هذه الوحوش والسباع وغيرها ، لا يرى منها شيء ، وليست قليلة فتخفى لقلّتها ، بل لو قال قائل إنّها أكثر من الإنس لصدق ، فاعتبر في ذلك بما تراه في الصحاري والجبال من أسراب الظباء ، والمهاء ، والحمير الوحش ، والوعول ، والايايل ، وغير ذلك من الوحوش ، وأصناف السباع من الأسد والضباع والذئاب والنمور وغيرها ، وضروب الهوام ودوابّ الأرض ، وكذلك أسراب الطير من الغربان والقطا والاوّز والكراكي وحمام الطير وسباع الطير جميعا ، وكلّها لا يرى منها إذا ماتت إلّا الواحد بعد الواحد يصيده قانص أو يفترسه سبع ، فإذا أحسّوا بالموت كمنوا في مواضع خفية فيموتون فيها ولولا ذلك لا متلأت الصحاري منها حتى تفسد رائحة الهواء وتحدث الأمراض والوباء . فانظر إلى هذا الذي يخلص إليه الناس وعملوه بالتمثيل الأول الذي مثّل لهم ( 1 ) . قلت : إشارة إلى قوله تعالى في تحيّر قابيل في جسد هابيل وبعثه تعالى غرابا بالبريّة كيف يواري سوأة أخيه ( 2 ) . كيف جعل طبعا وادكارا في البهائم وغيرها ليسلم النّاس من معرّة ما يحدث عليهم من الأمراض والفساد « ومرفرفة » في ( الجمهرة ) : رفرف إذا بسط جناحيه ، ورفرفة الطائر أن يرفرف بجناحيه ولا يبرح كأنهّ يحوم على الشيء ( 3 ) « بأجنحتها في مخارق » أي : ممارّ « الجوّ » هو ما بين السماء والأرض « المنفسخ » أي : المتسع « والفضاء

--> ( 1 ) توحيد المفضل : 107 ، والنقل بتصرف يسير . ( 2 ) جاءت القصة في ( المائدة : 31 ) . ( 3 ) جمهرة اللغة 1 : 85 و 146 .